جلال الدين السيوطي

405

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

المنطوية على خصائصه التي حزمت لسان الاستقصاء ، أوّلها : سقى الله بطن الأيك أو طفّ واكفا * تجلّل بطن الأيك أو رقّ وارفا أزاهيره تزهي الرّبى برفيفها * كأنّ الرّبى يسحبن منه رفارفا وطالعها إن أردت - الرفول في مطارف البراعة ، واحفظها إن رمت أن تجمّل وخارف اليراعة ، ودونك تصانيفه التي تنبيك بعلو مرتبته ، وتعرّفك سموّ منزلته كالكشّاف عن حقائق التنزيل الناطق عن دلائل التأويل الذي إن طالعته وجدت ثمرات نكته الغراب أمثال ثمرات الغراب ، قد نام عليها المفسرون ، وسقط لها الألمعيّ الذي نسي له أبو عبيدة والأصمعيّ ، وكالفائق في إيضاح ما التبس من الأخبار ، وكشف ما أشكل من الآثار ، وكالمفصّل في صنعة الإعراب المشتمل مع صغر حجمه على مسائل الكتاب ، وكأساس البلاغة المنطوي على لبّ كلام العرب المحتوي على خلاصة الأدب الفارق بين الحقيقة والمجاز المقتضب من لطائف أهل الحجاز ، وكالمستقصى في الأمثال الذي يعجز عن ذكر مداه أئمة الرجال ، وكالقسطاس في العروض ، وكما ثمّ قدس الله روحه حلّى هذه المحاسن الثواقب ، وجمّل هذه المناقب بتقمّصه من الورع بلامة لا تحيك فيها سهام الشيطان ، ونظره إلى الدنيا وزخارفها بعين الهوان ، وقلة اكتراثه بما أقبلت أو أدبرت ولّى أخادعه عنها أظلمت أو أسفرت ، وتبتله في المحراب إذا الليل أرخى سدول ظلماته ، وتدارسه العلم إذا النهار مدّ رواق ضيائه ، ووقفته بعرفات سبع مرات ، وحطّ رحله خمس سنين بالبلد الحرام ، وتصنيفه بين زمزم والمقام ، لا يستفزّه إلى مسقط رأسه ادّكار العيش الرغد ولا يقلقه ضنك العيش بمكة في طلب مرضاة الواحد الصمد ، وفيه يقول الشريف : أتى حرم الله الكريم مجاورا * فلله ما أدنت جمال وأينق صليب قناة الدين في الله جاهدا * إذا خار عزم أو تخلل موئق بلى الزهد منه والتورّع صاحبا * فصفق يشرب صفوه لا يرنّق به محت الأيام كلّ إساءة * جنتها ولمّ الدهر ما كان يفتق